منذ العام الماضي، يتواصل اتساع رقعة إلغاء برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية (PLACM) في عدد من الأقاليم الإسبانية، رغم الانتقادات التي سبق أن وجهتها إليه حتى الحكومة المركزية. فبعد مدريد في يوليوز 2025، ثم مورسيا في شتنبر من العام نفسه، تتجه منطقة الأندلس بأكملها اليوم إلى الانسحاب من البرنامج، ما يعني، بمجرد إضفاء الطابع الرسمي على القرار، وقف تدريس وحداته الاختيارية في المدارس العمومية ابتداء من الموسم الدراسي 2027-2028.
وفي هذا الاتجاه وتحت ضغط الحزب الشعبي وحزب فوكس، ستلغى دروس اللغة العربية والثقافة المغربية في نحو 100 مدرسة ومعهد في إقليم الأندلس. وينص اتفاق ائتلافي وقع لهذا الغرض، الخميس الماضي، على ألا تجدد الحكومة الإقليمية الأندلسية برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية، الممول من الحكومة المغربية.
الأندلس تُسلِّم مفاتيحها لليمين المتطرف.. الضحايا اللغة العربية والثقافة المغربية
لم ينتظر اليمين الإسباني طويلاً ليكشف عن ملامح مشروعه السياسي. فما إن أُعلن عن التحالف الحكومي بين حزب الشعب (PP) وحزب “فوكس” اليميني المتطرف في إقليم الأندلس، حتى بدأت أولى الضربات تستهدف أحد أبرز الجسور الثقافية بين أبناء الجالية المغربية ووطنهم الأم برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية.
الاتفاق الذي وقعه رئيس حكومة الأندلس خوانما مورينو وزعيم “فوكس” في الإقليم مانويل غافيرا لم يكن مجرد تفاهم لتقاسم المناصب، بل إعلاناً صريحاً عن مرحلة جديدة عنوانها التشدد وإعادة رسم السياسات وفق أجندة اليمين المتطرف، حتى وإن كان الثمن التضحية بحقوق آلاف التلاميذ المنحدرين من أصول مغربية.
ولم يكتفِ فوكس بحجز موقع متقدم داخل الحكومة الإقليمية، بعدما حصل على حقائب مؤثرة ومنصب نائب رئيس الحكومة، بل فرض أيضاً أجندته الأيديولوجية، واضعاً برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية على رأس قائمة القرارات المستهدفة، في خطوة أثارت موجة واسعة من الاستياء والقلق.
القرار يعني عملياً إنهاء برنامج ظل لسنوات يوفر لأبناء الجالية المغربية فرصة تعلم لغتهم الأم والحفاظ على هويتهم الثقافية، وهو ما يطرح تساؤلات كبيرة حول مستقبل سياسات الاندماج التي طالما تباهت بها إسبانيا.
وتبدو مقاطعة ألمرية الخاسر الأكبر، بعدما شمل البرنامج 38 مؤسسة تعليمية، أي نحو 40 في المائة من مجموع المؤسسات المستفيدة في الأندلس، تليها غرناطة وقادش، حيث تنتشر جاليات مغربية كبيرة ستجد نفسها أمام واقع جديد يهدد أحد أهم مكتسباتها التعليمية والثقافية.
اليمين الاسباني في طريقه للسيطرة على الحكومة المركزية خلال الانتخابات المقبلة
أجمعت تقارير المحللين والمتتبعين داخل إسبانيا وخارجها، على أن هذا التحالف يأتي امتداداً لسلسلة من الاتفاقات التي جمعت حزب الشعب بـ”فوكس” في أقاليم أخرى مثل إكستريمادورا وأراغون وكاستيا وليون، في مؤشر واضح على أن اليمين الإسباني يمضي بثبات نحو توسيع نفوذه، تمهيداً للسيطرة على الحكومة المركزية في الانتخابات المقبلة.
ما يحدث في الأندلس لا يمكن اختزاله في تعديل إداري أو إعادة هيكلة حكومية، بل يعكس اتجاهاً سياسياً أكثر صلابة تجاه قضايا الهوية والهجرة والتعدد الثقافي.
وعندما تصبح البرامج التعليمية والثقافية أولى ضحايا الصفقات السياسية، فإن الرسالة تكون واضحة اليمين المتطرف لا يكتفي بدخول السلطة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيته، حتى لو جاء ذلك على حساب التنوع والتعايش وحقوق آلاف الأسر التي جعلت من الأندلس وطناً ثانياً لها.

















