في إطار مواصلة الأنشطة الفكرية و الثقافية و العلمية، وفي سياق التحديات الظرفية الراهنة، نظم مؤخرا المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية ندوة بمقر المديرية الجهوية للثقافة بشارع مولاي يوسف بفاس، حول موضوع “آفاق الحوار الاجتماعي بالمغرب”، حيث ساهم في تأطيرها، مصطفى رجيب المدير الجهوي لوزارة الإدماج الاقتصادي و المقاولات الصغـرى و التشــــغيل و الكفاءات – قطاع التشغيل فاس مكناس – الذي قدم عرضا بعنوان “المفاوضة الجماعية و اتفاقات الشغل الجماعية”. إضافة لزميله محمد السباعي، دكتور في العلوم القانونية والسياسية، و الذي قدم عرضا بعنوان “حكامة حماية المنظومة الاجتماعية”، تلاه رئيس المنتدى والقيادي النقابي السابق عبد الرحيم الرماح بعرض ناقش فيه “دور الحوار الاجتمــــــاعي في تقوية و تطبيق القانون الاجتماعي”.
وفي هذا السياق أوضح عبد الرحيم الرماح، النقابي السابق المشهور، بأن”أهمية الحوار الاجتماعي في المغرب لا تأتي فقط من دوره في تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للطبقة العاملة، وفي تنظيم العلاقات المهنية والاجتماعية والاقتصادية، بل ترتبط بما للطبقة العاملة من علاقة بباقي الفئات الاجتماعية ، من فلاحين صغار ومتوسطين، وتجار صغار ومتوسطين، وحرفيين وذوي الدخل المحدود سواء في القرى والبوادي أو المدن”.
مسار الحركة النقابية المغربية
وزاد الرماح في تحليله، بأنه “منذ أن نشأت الحركة النقابية المغربية في عهد الاستعمار الفرنسي ظلت تناضل من أجل إقرار وتقوية الحوار الاجتماعي. ومن هنا لا بد من الإشادة بما تم القيام به من خطوات كبيرة لتحقيق هذا الهدف، والذي تطلب من الطبقة العاملة تضحيات جسام وبالدور الذي قامت به الحكومات التي تناوبت على المسؤولية، والمركزيات النقابية ، والاتحاد العام لمقاولات المغرب لتنزيل الحوار الثلاثي الأطراف على أرض الواقع منذ التوقيع على التصريح المشترك 1996 على عهد الحكومة الثانية لعبد اللطيف الفيلالي، حيث يعد هذا التصريح ذا أهمية كبيرة لكونه جاء في سياق مجيء حكومة التناوب التوافقي، والذي وضع المحددات الأساسية للحوار الاجتماعي، ثم اتفاق 23 أبريل 2000 (19 محرم) على عهد حكومة التناوب التوافقي برئاسة عبد الرحمن اليوسفي. تلاه اتفاق 30 أبريل 2003 .والمحضر الملحق به لـ 28 يناير 2004 على عهد حكومة السيد إدريس جطو”.
الحوارالنقابي مع حكومات عباس الفاسي و بنكيران والعثماني وأخنوش
توقف المشاركون في هذه الندوة، كل من زاوية عرضه المقدم، عند “الاختلافات الكبيرة وحدة النقاش التي كانت تحصل في كثير من الأحيان حول القضايا المطروحة، لكن عملية التغلب عليها ومعالجتها كان ممكنا، لأن الجميع كان مقتنعا بأهمية الحوار الاجتماعي باعتباره الوسيلة الوحيدة لإيجاد الحلول للقضايا المطروحة”، إذ “عرفت مرحلة حكومة السيد عباس الفاسي كثيرا من الصعوبات، تمكنت من التغلب عليها في المراحل الأخيرة من عمرها بعد مجهودات كبيرة، وقد ساهمت في ذلك احتجاجات 20 فبراير2011، حيث تم توقيع اتفاق 26 أبريل 2011، والذي تضمن العديد من المكتسبات، أضيفت إلى ما تحقق في الاتفاقات السابقة. و عند مجيء دستور فاتح يوليوز 2011، تضمن العديد من الفصول يعود الفضل فيها إلى الحوار الاجتماعي انطلاقا مما جاء في الاتفاقات الأربعة السابقة. وفي الوقت الذي كان من المتوقع أن يحدث تطور في الاتجاه الإيجابي، وقع عكس ذلك خلال مرحلة حكومة عبد الإله بنكيران، رغم كثافة المبادرات والاحتجاجات التي قامت بها المركزيات النقابية. حيث لم يتم إبرام اتفاق اجتماعي، وهو ما كانت له آثار سلبيــة “.
و عن مرحلة حكومة سعد الدين العثماني، فقد أدت تطورات إيجابيــــــة حصلت آنذاك إلى إبرام اتفاق 25 أبريل 2019 كما عرفت اجتماعات مكثفة من أجل إصلاح نظام الوظيفة العمومية، غير أنها لم تصل إلى نتائج ، حيث كان يمكن أن تكون لهذه المرحلة نتائج أفضل بكثير، وخلال النصف الأول من ولاية حكومة السيد عزيز أخنوش تم إبرام اتفاق وميثاق 30 أبريل 2022.
وكان طبيعيا أن يتم ذلك بحكم التجربة التي عرفتها المراحل السابقة. غير أنه مع الأسف لم يتم الإسراع في العمل من أجل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بمــــــا في ذلك الجوانب التي لا تتطلب اعتمادات مالية، مثل إحداث المرصد الوطني للحوار الاجتماعي، وإحداث أكاديمية التكوين في مجال الشغل والتشغيل ، وإعداد التقرير السنوي حول المناخ الاجتماعي. وكذا عدم إجراء الحوار بجل قطاعات الوظيفة العمومية إلا في الحالات التي تم فرضها بسبب الإضرابات والاحتجاجات. وأيضا عدم إجراء الحوار على مستوى الجهات والأقاليم.
و بالإضافة إلى المنهجية التي تم اتباعها، في مناقشة وضعية المتعاقدين في إطار الحوار الثلاثي الأطراف، وهو ما أدى إلى توتر الأجواء الاجتماعية، حيث تم خوض العديد من إضرابات واحتجاجات بقطاع التعليم والصحة وغيرها من قطاعات الوظيفة العمومية. وقد نتجت عن ذلك انعكاسات سلبية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
وأمام ارتفاع حدة الإضرابات والاحتجاجــــــــات تم إبرام اتفاق 29 أبريل 2024 ،من أجل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. كما تم إبرام اتفاقـــــــــات في بعض قطاعات الوظيفة العمومية. ولا زالت باقي القطاعات تواصل الإضرابات والاحتجاجات من أجل تلبية مطالبها.

استنتاجات لربح رهان الحوار الاجتماعي
في هذا الصدد شدد المتدخلون في الندوة، على أن شروط نجاح الحوار الاجتماعي متوفرة حاليا أكثر من المراحل السابقة، نظرا للاعتبارات التالية:
- الاستفادة من التراكمات التي تضمنتها الاتفاقات السابقة.
- الاستفادة من المرحلة الممتدة من إبرام اتفاق 30 أبريل 2022 إلى اللآن حيث اتضح أن عدم تنفيذ الحكومة لما تم الاتفاق عليه كانت له انعكاسات سلبية على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي.
- مستلزمات المرحلة الحالية، التي تفرض أن يقوم كل طرف بمسؤوليته الكاملة. الحكومة من موقعها كمدبرة للشأن العام، و الاتحاد العام لمقاولات المغرب من موقع أن تتحمل المقاولة مسؤوليتها الاجتماعية، والمركزيات النقابية من موقع القوة الاقتراحية ، وكل ذلك من أجل إيجاد الحلول للقضايا المطروحة، مع الأخذ بعين الاعتبار النقاش الجاري وسط الطبقة العاملـــة و وسط المهنيين غير الأجراء، وسط الرأي العام الوطني.
و بقصد الإسراع بإيجاد الحلول للقضايا المطروحة خلال النصف الثاني من الولاية الحكومية الحالية لأخنوش، ينبغي السير وفق ما يتماشى مع ما نصت عليه روح الاتفاقات السابقة، باعتماد الحوار وفق منظور شمولي على أربع مستويات:
- مستوى اللجنة العليا للحوار الاجتماعي، المتكونة من رئيس الحكومة والأمناء العامين للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، لتنسيق و متابعة الحوار على كافة المستويات.
- مستوى الحوار الثلاثي الأطراف، و المتكون مـــــــــــن رئيس الحكومة ووزراء القطاعات الحكومية ذات العلاقة، و الأجهزة التنفيذية للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، لمناقشة القضايا الكبرى، و و ضع خارطة طريق للحوار على كافة المستويات.
- المستوى القطاعي لمناقشة القضايا القطاعية.
- مستوى الأقاليم والجهات لمناقشة القضايا التي لها علاقة بالأقاليـــــــــــم و الجهات.
على أن تتم جلسات الحوار متزامنة أو متقاربة فيما بينها لتكون لها فائدة أكثر.
- مستوى اللجان الموضوعاتية لمتابعة النقاش حول القضايا التي تتطلب مواصلة النقاش بين دورتي أبريل و شتنبر.
- تحديد القضايا التي يتطلب العمل على إيجاد الحلول لها مع تصنيفها وفق ما يتلاءم مع طبيعتها:
أولا: القضايا الكبرى التي تحال على مستوى الحوار الثلاثي.
ثانيا: القضايا التي تحال على مستوى الحوار القطاعي.
ثالثا: القضايا التي تحال على مستوى الحوار بالجهات والأقاليم.
رابعا: القضايا التي تحال على اللجان الموضوعاتية التي تشتغل بين الدورتين قصد اقتراح الحلول وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وتطبيق القانون.

المنهجية التشاركية ..السبيل لزرع الثقة
كشف القيادي النقابي السابق المعروف، عبد الرحيم الرماح معية المشاركين في ندوة المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية والذي يرأس نفس النقابي، بأن عنصر الثقة يماد يكون العمود الأساس لإنجاح الحوار الاجتماعي، وهو ما يتطلب اعتماد المنهجية التشاركية، و المتابعة الدقيقة للحوار، و اتخاذ المبادرات الإستباقية على كافة المستويات، لبلوغ خلق الثقة المتبادلة ما بين الأطراف ، كما يساعد على إيجاد الحلول للقضايا المطروحة على مائدة الحوار الاجتماعي، علما بأن الحوار الاجتماعي، يردف الرماح، لا يعني فقط تحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية للأجراء، بل يعني أيضا تطوير وتقوية العلاقات المهنية بالمؤسسات و المرافق العمومية و المقاولات والاقتصاد الوطني بصفة عامة ، إذ لا يمكن تحقيق أي تقدم دون نجاح الحوار الاجتماعي كاختيار استراتيجي لا بديل عنه.

















