في سياق ترقب الإعلان عن تصميم التهيئة لمقاطعة، أكدال كانت التوقعات أن يأتي محافظا على الأرصدة العقارية العمومية ومعززا لها تحقيقا للتوازنات، وتداركاً للاختلالات التي كانت وثائق التعمير تُرْجِعُها إلى صعوبة الولوج إلى الأرصدة العقارية الخصوصية، فإذا بتصميم التهيئة يأتي على عكس ما كان منتظراً مُحمَّلاً بمفاجآت تتلاحق مُعْلنة عن عرض الأرصدة العقارية العمومية لصالح الاستثمارات السياحية الخصوصية.
والأنكى من ذلك، جرى إلغاء تجهيزات عمومية متوفرة، وتغيير رصيدها العمراني من العمومي لصالح التنطيق الخصوصي السياحي مثلما طرأ بعرض إدارة التهيئة الفلاحية التابعة لوزارة الفلاحة وحديقة للا مريم بشارع السلاوي، وكذا مدرسة شارع الحسن الثاني للاستثمار السياحي، وكان حرياً به أن يُضفي الاعتبار على الحديقة إسهاماً في سد الخصاص البيئي، وأن يُبقي للمدرسة على وظيفتها التعليمية في مجال اجتماعي هو أحوج ما يكون لذلك، علماً أن المؤسسات السياحية هي فضاءات مُغلقة في وجه عموم السكان.
أسئلة محيرة تنتظر إجابات:
كثيرة تلك الاستفسارات التي تنتظر أجوبة من الجهات المعنية بمشروع تصميم التهيئة لمقاطعة اكدال بفاس، حيث يُلح السؤال: لِمَ لَمْ تُوجَّه هذه الأرصدة العقارية لتلبيَ حاجة مؤسسات إدارية تكتري شققاً ومكاتبَ لاحتضان مقراتها كالمديرية الجهوية للبيئة، والمركز الجهوي للاستثمار، ومُلحقة الجهة، والمجلس الإقليمي لعمالة فاس الذي يَرْصُدُ أكثر من مائة ألف درهم شهرياً لتأمين كراء مقره الحالي.
ولِمَ لا يتم استغلال مرافقَ عمومية يكفي ترميمُها لتحتضنَ مصالحَ إدارية كما فعل المجلس الجهوي للحسابات، وهو خير توظيف للأرصدة العقارية العمومية.
والمؤكد أن تفويت الرصيد العقاري العمومي لصالح الاستثمار السياحي لا يخدُم المدينة على المدييْن المتوسط والبعيد بقدر ما يخدُم رأس المال، فهذه التجهيزات المُغلقة في وجه العموم لاحتضانها كازينوهات ومراقص وحانات لا ضرورة لأن يحتضنها مركزُ المدينة، والأجدى أن تتم برمجتها على مقربة من المدينة العتيقة كما خلصت إلى ذلك دراسة التنمية السياحية فتحقق عملية كبيرة مزدوجة النفع بمعالجة مشكل السكن غير اللائق الذي عانت منه لعقود منطقة الجنانات، وتخصيصها للتجهيزات السياحية على مشارف المدينة الأصيلة.
وكان أملنا وتوقعاتنا أن تستلهم فاس تجربة الرباط بأبي رقراق، والبيضاء بموقع مطار أنفا، والناضور بمارشيكا، في توظيف مرافق عمومية وثكنات للدرك الملكي وعسكرية في تهيئة “مشاريع حضرية” وتأمين توازنات بيئية، فإذا بتصميم تهيئة القلب النابض لفاس (أكدال) ينحو منحى آخر، وبدلا من أن يوظف الرصيد العمومي في سد الخصاص، وتلبية الحاجيات، آثر تفويته للقطاع الخاص.

مفاجآت تصميم التهيئة المعروض:
- تنازله في بلاد التازي عن بقعة كانت مخصصة لمؤسسة تعليمية في منطقة هي أحوج ما تكون إليها.
- واتخاذه الرصيد العقاري للغزاوي والستيام منطقة سياحية دون مراعاة الحاجة الماسة للإبقاء على محطة لشركة الغزاوي الملتزمة بنقل طلبة صفرو إلى مركز المدينة.
- وإصراره في حي الشرطة بشارع مولاي يوسف وثكنة الدرك الملكي وغيرهما على تنطيق B2 وA1 الذي تصطفُّ فيه العمارات المتلاصقة دون إحداث تجهيزات عمومية ترافق الكثافة السكانية المتوقعة مع هذه التنطيقات، وذلك في تغييب للتنطيق المُخضر الذي يستحضر العمارات الموجهة التي تتخللها المساحات الخضراء بنسبة 60 %، وهو ما يكفل تأمين سكن يلطف الأجواء ويكيف الهواء، في سياق التغيرات المناخية المتفاقمة التي تُملي رفع نسبة المساحات الخضراء بالمدينة.
- وتغييبه في شارع أبي بكر الصديق لسويقة الإمام علي ـ وهي نموذج للإسهام في تقليص ظاهرة الباعة المتجولين ـ وانتقاله بالشارع في ثلاثة مقاطع من 18م إلى 60م فإلى 30 م بشكل غير مبرر.
- وتوجيهه إلى تكثيف البنيان بتحويل ساحة صوفيا إلى عمارات شاهقة من مستوى أرضي واثني عشر طابقا، مما يبعث على اقتراح مبادلتها بالقطعة المجاورة للوكالة الحضرية، والإبقاء على ساحة صوفيا فضاء عمومياً ومتنفساً للمجال.
- وكذا خلف نادي البريد وإدارة أملاك الدولة، بشارع أحمد شوقي، وحقها أن تكون مساحات خضراء، لأحياء مكتظة بالسكان.
- وإبقاؤه على أزقة بنفس العرض رغم تحول البنايات بها إلى عمارات شاهقة ( A1 – A2) وحقها أن تصير بعرض لا يقل عن 20 م
- واعتباره النادي الرياضي الفاسي بزنقة أبي العلاء المعري تجهيزاً خصوصياً، وحقه أن يكون عمومياً ليجهز ك “حديقة قرب” أو “ملعبِ قرب” إلغاءً للحانة الحالية.
- وتصنيفه السوق المركزي كمرفق خصوصي، وحقه الإبقاء عليه كمركز تجاري
- وتصنيفه مركن شارع عبد العالي بنشقرون مرفقاً سياحياً، وحقه أن يظل موقفاً للسيارات على شاكلة ساحة فلورنسا إسهاماً في حل أزمة ركن السيارات بمركز المدينة.
- وعلى جانبي الطريق المداري الثاني بين مدارة الكتاب على شارع محمد السادس ومدخل المرجة تنتعش فلاحة حضرية تُعَدُّ مكسباً حضارياً، وتُعطي نموذجاً لما تطمح إلى تعميمه الحواضر المعاصرة، أبى تصميم التهيئة المعروض إلا أن يعصف بهبتصنيفه في تنطيق B2(طابق أرضي وثلاثة مستويات).
- وفي حي بورمانة تحل العمارات محل الدارات دون أن تأخذ العمارة حق الغير بالاعتبار، ودون أن ينعكس ذلك على عرض الأزقة التي ينبغي أن تتسع لتنتقل من 14م إلى 25 متراً.
- وماذا عن تصميم التنقلات الحضرية الذي صار مكسباً حققته المدينة، وكان المفروض أن يُبرز تصميم التهيئة توجهاته، خاصة مسارات النقل الحضري في صيرورته الواعدة.
فالثبابت أن ما يميز تصميم التهيئة عادة هو ما يأتي به من إعلان عن المنفعة العامة، فأية منفعة عامة يحققها تصميم التهيئة لمقاطعة أكدال المعروض على أنظار العموم، والمكتظ بتجاهل متطلبات التوازن البيئي، وبنقل الملك العمومي إلى الخصوصي؟ ! !















