في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، تبرز مدينة الداخلة باعتبارها واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية إثارة للاهتمام، بعدما بدأت تستقطب مستثمرين من خلفيات مختلفة، في مؤشر واضح على تنامي جاذبيتها الاقتصادية وتزايد الثقة في مستقبلها.
ومن بين هذه الدينامية، يلفت حضور مستثمر يهودي مغربي اختار مدينة الداخلة مجالاً للاستثمار، في خطوة تحمل أكثر من دلالة اقتصادية، وتكشف أن المدينة لم تعد مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل أصبحت جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل موقع الجنوب المغربي داخل المعادلة الاقتصادية الإقليمية والدولية.
فالاستثمار، في جوهره، لا يتحرك بالشعارات، وإنما يبحث عن الاستقرار، والبنية التحتية، والموقع الاستراتيجي، والفرص الواعدة. والداخلة تتوفر تدريجياً على مجموعة من هذه المقومات، مستفيدة من موقعها الأطلسي ومن المشاريع التنموية التي تستهدف تعزيز مكانتها كمحور اقتصادي وتجاري.
والأهم أن دخول مستثمر من أصول يهودية مغربية إلى المشهد الاقتصادي للداخلة يحمل بعداً مجتمعياً ورمزياً أيضاً؛ فالمغاربة اليهود يشكلون جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية المغربية، وبالتالي فإن حضورهم في الدورة الاقتصادية والاستثمارية للمملكة ليس ظاهرة غريبة، بل امتداد لعلاقة تاريخية وثقافية راسخة بين مكونات المجتمع المغربي.
لكن الرسالة الأقوى التي يبعث بها هذا النوع من الاستثمارات هي أن رأس المال لا يعترف بالضجيج السياسي عندما يجد بيئة مستقرة وفرصاً حقيقية. فالاقتصاد يملك منطقه الخاص، والاستثمار الجاد يختار المواقع التي يرى فيها قابلية للنمو والاستدامة.
ومن هنا، فإن الداخلة مطالبة بألا تكتفي بجذب المستثمرين، بل بتحويل هذه الجاذبية إلى منظومة اقتصادية متكاملة، تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، وتدعم المقاولات المحلية، وتخلق فرص الشغل، وتربط الاستثمار بالتنمية الاجتماعية، كما أن الرهان الحقيقي لا يكمن في جنسية المستثمر أو خلفيته، وإنما في قيمة المشروع، وحجم أثره الاقتصادي، ومدى مساهمته في التنمية المحلية. فالداخلة تحتاج إلى استثمارات منتجة تترك أثراً ملموساً على حياة السكان، وليس مجرد مشاريع عابرة تبحث عن الربح السريع.
إن اختيار مستثمر يهودي مغربي للداخلة، إذا ما اقترن بمشروع اقتصادي جاد وشفاف، يمكن أن يتحول إلى عنوان جديد لمدينة تتقدم بثبات نحو المستقبل. فالجنوب المغربي لم يعد ينتظر من يكتشف إمكاناته؛ بل دخل مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار، والانفتاح على العالم.

















