بين أحضان جبال شامخة، وقمم غابوية مكسوة بأشجار البلوط والأرز والنباتات العطرية، ممتدة على جزء من جبال الأطلس المتوسط وسلسلة جبال الريف،وعلى بعد أقل من 15 كلمتر عن الطريق الوطنية الرابطة بين فاس وتازة، تتواجد جماعة بوشفاعة التابعة لدائرة وادي أمليل بإقليم تازة.
♦عزلة عن المحيط الإقليمي والجهوي:
جماعة تضم ما يقارب 11 ألف نسمة موزعة بين المركز الجماعي ودواوير “أهل بودريس، بوشفاعة الشرقية، أغبالو كوسة، دوار عين الساهلة”، إضافة إلى دواوير أخرى وتجمعات سكنية متفرقة تشكل النسيج الديموغرافي للجماعة. تعيش فيما يشبه العزلة عن محيطها الإقليمي والجهوي، وتركن إلى صمتها المطبق الرهيب المشبع بالرياح المتقلبة التي تحيطها من كل الجوانب.
الفصول الأربعة تتعاقب على هذه الجماعة في يوم واحد، باستثناء فصل الشتاء الذي يحفها بشكل يزيد من عزلتها ووحدتها.
بحيث تستمر معاناة الساكنة مع الأمطار الغزيرة ، ما يؤدي إلى قطع الطريق الجهوية في عدة نقط بفعل انهيارات التربة، وطمرها بالكامل في نقط أخرى، مما يصعب من مأمورية الخروج والتنقل من المركز إلى واد أمليل أوالطريق الوطنية، حيث تتوقف ولو بشكل مؤقت حركة السير على الجهتين، ومعها الحركة الاقتصادية والاجتماعية.
ومما يزيد من قسوة الحياة في منطقة يخال الزائر لأول مرة أن ساكنتها تتمتع بحياة مميزة بين أحضان طبيعة تسر الناظرين . فعلى مرمى حجر من وسط المركز تتراءى جبال شاهقة تخفي خلف جمالها مأساة يومية ، خصوصا في تلك الدواوير المتفرقة ، تقابلها انهيارات التربة على طول المنحدرات تستمر طيلة موسم الأمطار، فما إن يتم ترميم مقطع حتى ينهار غيره . لتبقى الساكنة رهينة للعزلة ، وتائهة بين وعود لم تر النور وبين جبال شاهقة بتضاريس صعبة لا ترحم .
الطريق إلى جماعة بوشفاعة أصبحت غير سالكة بفعل الأخاديد والحفر ، ومما زاد من صعوبتها أنها بقيت على حالها وضيقها منذ سنوات طوال، بدون أن تخضع للإصلاح والتأهيل والتوسيع، حتى أصبحت غير مؤهلة لمرور مركبتين في اتجاهين متعاكسين، مما حول رحلة الخروج من الجماعة مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر ، يدفع ثمنها المرضى والمواطنون والتلاميذ وسائقو سيارات الأجرة والمركبات، خصوصا أثناء سقوط الثلوج على القمم والجبال التي تتواجد فيها مجموعة من التجمعات السكنية . تعيش في ظل الظل التهميش والإقصاء لعدم توفرها على أبسط الضروريات للعيش الكريم .
♦ مركز صحي مشلول .. أزمة مياه الشرب:
وبخصوص الخدمات الصحية، يزداد الوضع تأزما بهذه الجماعة، بسبب عجز المركز الصحي الحكومي عن تلبية حاجيات المرضى ، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة، في ظل غياب الأدوية وقلة الموارد البشرية والأطر الطبية، الشيء الذي يعجز معه المتوفر من المشتغلين في المركز على تلبية رغبات المرضى والمرتفقين في تلقي العلاجات الضرورية، ما جعلهم يدخلون في صراعات يومية معهم، تؤدي في غالب الأوقات إلى تدخل رجال الدرك الملكي والسلطة المحلية .
وفي مفارقة صارخة، تعيش عدد من الدواوير أزمة حادة وانقطاعات متكررة في مياه الشرب، رغم أن المنطقة تتواجد فوق فرشة مائية مهمة ، وقربها من موارد مائية مثل سد باب لوطا الذي تستفيد منه مدن وجماعات عديدة بعيدة بمئات الكيلومترات ، معاناة ساكنة بعض الدواوير من هذه المادة الحيوية كانت موضوع احتجاجات من أحل توفير الماء الكافي للساكنة، ومراسلات موجهة إلى المسؤولين على المستويين المحلي والإقليمي ، لكنها بدلا من أن تجد طريقها إلى الحل تفاقمت بشكل كبير مع حلول فصل الصيف، أدت ببعض الأسر للتفكير في الهجرة إلى مدن قريبة.
فرغم تواجد الجماعة في منطقة غابوية غنية بمواردها الطبيعية ، فإنها لا تستثمر عائدات الحصص المحصل بشكل عقلاني ، لتنزيل مشاريع البتية التحتية ، تستهدف بالدرجة الأولى الدواوير المهمشة والمقصية من هذه العائدات، من خلال بناء مسالك طرقية صلبة بإمكانها مواجهة التقلبات المناخية ، وتوفير الماء الصالح للشرب ، وتقريب مجموعة من الخدمات الأساسية ، والعمل على توسيع الطريق الإقليمية الرابطة بين مركز الجماعة والطريق الوطنية،وتسييج النقط المهددة بالإنهيار بواقيات إسمنتية، والتفكير مستقبلا في تنزيل مشاريع سياحية تستقطب الزوار والمستغورين على اعتبار قربها من مغارتي چفريط و فريواطو، ومنتجع راس الماء وسد باب لوطا، لإنعاش السياحة بالمنطقة وتوفير مناصب شغل للشباب العاطل عن العمل.

















