في عالم السياسة، لا توجد مصادفات دبلوماسية. فالوجهة الأولى لأي سفير جديد غالباً ما تكون رسالة سياسية مشفرة، تُقرأ بعناية أكبر مما تُقرأ به التصريحات الرسمية، وهو ذلك المنظور بحسب المتتبعين، والذي دفع السفير الفرنسي الجديد لدى المملكة المغربية، فيليب لاليو، يختار أن يستهل مهامه بزيارة مدينة العيون، والتي حل بها هذا اليوم الأربعاء فاتح يوليوز 2026، حيث أظهرت الزيارة بأنها لم تكن مجرد ترتيب بروتوكولي، بل إعلاناً عملياً عن تحول نوعي في المقاربة الفرنسية تجاه الأقاليم الجنوبية للمملكة.
لقد أدركت باريس أن التحولات الجيوسياسية لا تواكب بالشعارات، وإنما بالحضور الميداني والانخراط في مراكز صناعة المستقبل، وأإن مدينة العيون اليوم لم تعد مجرد مدينة في أقصى الجنوب، بل أصبحت مختبراً تنموياً متقدماً، ومنصة اقتصادية تتقاطع فيها رهانات الاستثمار والأمن والاستقرار، وجسراً استراتيجياً يربط أوروبا بعمقها الإفريقي.
وخلال مباحثاته مع والي جهة العيون الساقية الحمراء، عبد السلام بكرات، ورئيس جماعة العيون، مولاي حمدي ولد الرشيد، لم يخف السفير الفرنسي اهتمام بلاده بمواصلة مواكبة الأوراش التنموية التي تعرفها المنطقة، مؤكداً أن باريس ترى في الأقاليم الجنوبية فضاءً واعداً لتوسيع التعاون الاقتصادي، وتشجيع الاستثمارات، وتعزيز الشراكات المؤسساتية والثقافية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لا تكمن في مضمون اللقاءات وحده، بل في توقيتها ودلالاتها. فهي تأتي في مرحلة تعيد فيها فرنسا صياغة حضورها الإقليمي وفق معادلات جديدة، بعدما أثبت المغرب أنه شريك استراتيجي قادر على الجمع بين الاستقرار السياسي، والطموح الاقتصادي، والامتداد الإفريقي. ومن هنا، فإن التوجه نحو العيون يمثل اعترافاً بأن موازين القوة لم تعد تبنى على الخطابات، بل على المشاريع الكبرى والوقائع الميدانية.
لقد تحولت الأقاليم الجنوبية إلى مركز جذب للاستثمارات الدولية، وإلى نموذج تنموي يفرض نفسه بالأرقام والإنجازات، وهو ما جعل عدداً متزايداً من الشركاء الدوليين يعيدون ترتيب أولوياتهم بما ينسجم مع الحقائق الجديدة التي رسخها المغرب على الأرض.
وبهذا تكون وفق المحللين، زيارة السفير الفرنسي إلى العيون ليست مجرد محطة في أجندة دبلوماسية، بل تعبير عن انتقال العلاقات المغربية الفرنسية من مرحلة النوايا إلى مرحلة التنفيذ، ومن لغة البيانات إلى منطق المبادرات، إنها رسالة تؤكد أن الدول الكبرى لا تراهن إلا على الشركاء الذين يصنعون الاستقرار ويؤسسون للمستقبل، وأن العيون أصبحت اليوم عنواناً لدبلوماسية جديدة، تقاس فيها قوة المواقف بخطواتها العملية، لا ببلاغة كلماتها.


















