بعدما ظلت عيون المنظمات والجمعيات الدولية شاخصة على معضلة حرية الصحافة بالمغرب، والتي ظلت تتأرجح بين ترسانة قانونية متقدمة نظرياً وممارسات مهنية وقيود عملية أثرت بشكل مباشر على استقلالية السلطة الرابعة، وما شابهها من انتهاكات حقوقية مستمرة، منها لجوء القضاء أحياناً إلى متابعة صحفيين بالحق العام أو القانون الجنائي، انتقل مؤخرا اهتمام ذات المنظمات إلى ملف “الدعم العمومي” بالمغرب والذي يروق للجميع وصفه”بالحكومي”، حيث تحدثت مؤخرا تقارير وطنية ودولية عن عمليات هندسة هذا الدعم على مقاس مقاولات صحفية بعينها أغلبها أكبر حجا، وذلك ضمن خطة تعادي التنوع الإعلامي.
وفي هذا السياق، كشف تقرير قدمه فرع المنظمة الدولية بالمغرب “ترانسبرانسي“ خلال ندوة نظمها أمس الثلاثاء في الرباط، بأن “الدعم العمومي الموجه إلى قطاع الصحافة يطرح إشكالا يتجاوز البعد المالي المباشر، لأنه يمس في جوهره حرية الصحافة، ومبدأ تكافؤ الفرص، وحدود تدخل الدولة في قطاع يُفترض أنه يمارس وظيفة رقابية مستمرة”.
وسجل ذات التقرير الحقوقي، بأن معايير الدعم العمومي تخدم المقاولات الأكبر حجماً، أو الأكثر قدرة على إثبات أرقام معاملات مرتفعة، مما تسبب في تركيز الدعم في يد عدد محدود من الفاعلين في الحقل الإعلامي المغربي، في مقابل اقصاء المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وما نتج عنه من إضعاف الصحافة الجهوية على الخصوص.
وشددت “ترانسبرانسي المغرب” على أن الأصل في الدعم العمومي للصحافة هو مراعاة التنوع الإعلامي، واختلاف بنيات التكلفة بين الصحافة الورقية والإلكترونية، وحجم التشغيل الحقيقي، والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام الحقوق الاجتماعية ومستوى الإنتاج والمحتوى التحريري المقدم للقراء والمتابعين
وطالبت “ترانسبرانسي المغرب”الحكومة المغربية، بإخضاع الدعم لتدقيق مالي ومحاسباتي مستقل يبين أوجه الصرف ومدى احترام المقاولات لالتزاماتها، مع تشديدها على ربط الاستفادة بمؤشرات نجاعة قابلة للقياس تتمثل في الحفاظ على مناصب الشغل، واحترام الحقوق الاجتماعية، والاستثمار في التكوين والتجهيز، وإنتاج محتوى مهني، وتوسيع وتحصين حقوق المغاربة في الوصول إلى المعلومة.
من جهة أخرى اعتبرت المنظمة الدولية، عمليات إصلاح وضعية الصحافة في المغرب، بأنها تمر عبر إعادة بناء الدعم على أسس واضحة، أولها النشر الدوري للوائح المستفيدين والمبالغ الممنوحة وطبيعة الاستفادة، كما طالبت بضرورة الفصل بين دعم المقاولة ودعم الأجراء، لأن الأجر حق قانوني تتحمله المقاولة المشغلة، ولا ينبغي أن يتحول الدعم العمومي إلى بديل دائم عن التزامها القانوني؛ مبرزة أنه إذا كانت هناك ضرورة اجتماعية لحماية الصحفيين والعاملين في القطاع، فيجب أن تتم عبر آليات واضحة ومباشرة ومؤقتة، لا عبر تمويل مفتوح للمقاولات دون مساءلة كافية، وفق ما جاء في تقرير “ترانسبرانسي المغرب” بشأن الدعم العمومي للصحافة بالمغرب.

















