في خضم التحديات المتزايدة التي تواجه المرفق العمومي، وفي ظل الأدوار المحورية التي يضطلع بها رؤساء المصالح والأقسام بمختلف القطاعات الحكومية، عادت إلى الواجهة مجددًا قضية تعويضات المسؤولية، التي توصف اليوم بأنها “مجحفة” و”متجاوزة”، ولا تعكس حجم المهام ولا مستوى الضغط والإكراهات المرتبطة بها.
فمنذ صدور المرسوم رقم 2.75.864 لسنة 1976، لم تُسجَّل أي مراجعة حقيقية أو تحيين لمنظومة التعويضات، رغم التحولات العميقة التي شهدتها الوظيفة العمومية من حيث التعقيد الإداري، وتوسع دائرة المسؤولية، وارتفاع كلفة المعيشة. وبحسب معطيات موثقة، فإن رؤساء المصالح لا يتقاضون سوى 1700 درهم شهريًا كتعويض عن المسؤولية، وهو رقم لا يرقى إلى تطلعاتهم ولا يعكس واقع المهام الجسيمة الموكولة إليهم.
ما يزيد من عمق الفجوة، هو التمييز الصارخ في أنظمة التعويض بين القطاعات، حيث تحظى بعض الوزارات بمرسومات خاصة تتيح لأطرها الاستفادة من تعويضات إضافية عن التنقل، والمخاطر، والتدبير المالي، في حين لا تزال قطاعات كالتعليم والصحة رهينة بأنظمة قديمة غير محينة. وهذا الوضع يكرّس الإحباط، ويُضعف الحافزية، ويحد من رغبة الكفاءات الإدارية في الترشح لمناصب المسؤولية.
وفي خطوة وُصفت بأنها محورية وذات دلالة سياسية قوية، دعت عدد من النقابات، ضمن مراسلات رسمية موجهة إلى الجهات الحكومية، إلى مراجعة شاملة لمنظومة التعويضات، مع اعتماد معايير موحدة ومنصفة تراعي طبيعة المهام ومستوى الأعباء وليس فقط الانتماء القطاعي.
وتقترح هذه التحركات تبني صيغة العقود التحفيزية على غرار ما تم اعتماده مع المديرين الإقليميين بوزارة التربية الوطنية، والذين أبرموا عقود مسؤولية مقابل أجور تصل إلى 42 ألف درهم شهريًا خاضعة للضريبة، ما يعكس توجهًا جديدًا نحو الاعتراف بالمسؤولية وربطها بحوافز ملموسة.
وفي ظل الحديث المتنامي عن إصلاح الوظيفة العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة، يرى المتتبعون أن عدم مراجعة هذه التعويضات يُفرغ الخطاب الإصلاحي من مضمونه، ويكرس هشاشة المرفق الإداري، خصوصًا في ظل نزيف الكفاءات واتساع فجوة التحفيز بين مختلف أسلاك الدولة.
فهل تتجه الحكومة نحو إقرار إصلاح عادل وشامل لمنظومة التعويضات عن المسؤولية؟ وهل تشهد المرحلة المقبلة توقيع عقود جديدة تُنصف رؤساء المصالح والأقسام وتعزز من فعالية الإدارة العمومية؟
أسئلة يضعها المهنيون على طاولة الإصلاح، في انتظار قرارات جريئة تنقل الخطاب من النوايا إلى التفعي

















