وسط الضجة التي تسبب فيها مؤخرا بلاغ للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، والتي دعت السلطات القضائية والإدارية إلى الإسراع لإيجاد حلول لظاهرة الاكتظاظ التي تعانيها السجون المغربية بسبب تزايد قرارات الاعتقال الاحتياطي، محذرة من وقوع حالات الانفلات الأمني بالمؤسسات السجنية، خرج نادي قضاة المغرب للرد على بلاغ سجان المملكة، محمد التامك، حيث اتهمه النادي بمخالفته للدستور ضمن محاولته للتأثير على قرارات الاعتقال والتي قد يتخذها قضاة الحكم أو قضاة النيابة العامة أو التحقيق في المستقبل.
وعلق رئيس نادي قضاة المغرب عبد الرزاق الجباري، في خروج صحفي وهو يرد على بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون، بأن” توجيه الدعوة إلى القضاء من لدن إدارة حكومية تختص، حصرا، في تنفيذ الأحكام القضائية، “فيه نوع من محاولة التأثير على قرارات الاعتقال التي قد يتخذها في المستقبل، وهذا مخالف للدستور والقانون والمعايير الدولية المتعلقة باستقلالية القضاء، وكذا الخطب الملكية السامية التي ما فتئت تحث على ضرورة احترام هذه الاستقلالية”.
وحرص رئيس النادي على عدم اغفاله لخطورة اتساع وارتفاع عدد الساكنة السجنية بالمغرب، حيث شدد في هذا السياق على أن “إشكالية الاعتقال الاحتياطي تبقى عواملها ومسبباتها متعددة ومركبة بموازاة مع ارتفاع نسبة الجريمة بكل أنواعها (خصوصا الخطيرة منها) داخل المجتمع “، فيما أرجع الجباري الركن الهام لظاهرة الاعتقال الاحتياطي”إلى عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية وليس القضائية التي لا تعدو أن تكون مطبقة للقانون ليس إلا”.
وحمل رئيس نادي قضاة المغرب المسؤولية كما قال، ” للسياسة الجنائية المختارة من لدن الحكومة، والتي تركز على العقوبة السالبة للحرية وميلها إليها كحل سهلٍ لمواجهة الجريمة، (شغب الملاعب، الغش في الامتحانات، الطوارئ الصحية أنموذجا)، مع أن السياسة الجنائية المعاصرة تقوم على اعتماد تدابير اجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية تهدف إلى معالجة مسببات الجريمة قبل ارتكابها”.
وانتقد رئيس نادي قضاة المغرب، ما اعتبره”عدم تفعيل مؤسسة الإفراج المقيد بشروط، وهي التي تشرف عليها لجنة إدارية يترأسها وزير العدل أو من ينوب عنه، وتبت في اقتراحات مدراء المؤسسات السجنية نفسها بالإفراج عن بعض من برهن عن تحسن سلوكه، وكان من شأن تفعيل هذه المكنة القانونية بمبادرة من إدارة المؤسسات المذكورة أن يقلص من نسبة الساكنة السجنية”، مشددا في الوقت نفسه على”تعثر ورش مراجعة مجموعة القانون الجنائي، والذي كان معولا عليه لرفع التجريم عن العديد من السلوكات البسيطة، والتخفيف من حدة اللجوء التشريعي إلى العقوبة السالبة للحرية”، وكذا” تعثر ورش مراجعة قانون المسطرة الجنائية، جزءا من المسؤولية في هذا الأمر، حيث “كان معولا عليه لإقرار العقوبات البديلة للعقوبات السالبة للحرية القصيرة المدى، وكذا توسيع صلاحيات قاضي تطبيق العقوبة”.
وسبق للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، السيد الحسن الداكي، وقبله محمد عبد النباوي رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، قد دأبا على التأكيد بأن ترشيد الاعتقال الاحتياطي يعد من أولويات تنفيذ السياسة الجنائية التي تشرف عليها رئاسة النيابة العامة، و أن “تدبير الاعتقال الاحتياطي يعتبر من المواضيع التي تستأثر باهتمام بالغ من جانب هذه الرئاسة، بدليل العدد الهام من الدوريات التي وجهت للنيابات العامة في هذا الشأن”.
وأشار الداكي في ندوة أكادير التي نظمت في فبراير 2021، أنه “رغم المكانة التي حظي بها موضوع الاعتقال الاحتياطي ضمن أولويات السياسة الجنائية، والجهود المبذولة في هذا الإطار، لا زالت نسبه يطبعها الارتفاع، حيث بلغ معدل الاعتقال الاحتياطي 44,56 في المائة في نهاية شهر أكتوبر 2021، علما أن هذه النسبة بلغت في نهاية شهر شتنبر 45,25 في المائة”.
وتابع أنه “إذا كانت جهود رئاسة النيابة العامة في البداية أثمرت نتائج طيبة عكستها الأرقام المسجلة في معدلات الاعتقال الاحتياطي، حيث انخفضت إلى 36,31 في المائة في متم شهر مارس 2019، إلا أن الآثار السلبية التي أفرزها انتشار وباء (كوفيد- 19) على سير العدالة عموما، وعلى وتيرة البت في قضايا المعتقلين الاحتياطيين، على وجه الخصوص، انعكست بشكل ملحوظ على نتائج سنتي 2020 و2021، الأمر الذي يقتضي منا جميعا، قضاة الحكم والتحقيق والنيابة العامة، مضاعفة الجهود سواء عبر ترشيد اللجوء إلى الاعتقال عند تحريك المتابعات، أو من خلال الرفع من نجاعة الأداء عند البت في قضايا المعتقلين وإصدار الأحكام، والتسريع بإحالة ملفات المعتقلين الاحتياطيين المطعون فيها على المحكمة الأعلى درجة”.

















