لطالما “تغنت”مؤسسة النيابة العامة بشعار”ترشيد الاعتقال الاحتياطي”معتبرة إياه تدبير استثنائي في السياسة الجنائية، لكن واقع حال ممارسة قضاتها بمختلف المحاكم المغربية يعكس غير ما تدعو إليه خلال الندوات الجهوية التي نظمتها بدعم من الإتحاد الأوروبي، حيث اشتكى وزير العدل عبد اللطيف وهبي خلال جلسة أمس الإثنين بمجلس النواب من تشبث النيابة العامة بهذا الإجراء الاستثنائي.
وقال وهبي في رده على سؤال لأحد نواب الفريق الحركي بمجلس النواب حول إشكالية الاعتقال الاحتياطي والبدائل الممكنة، بأن “الاعتقال الاحتياطي يمثل مشكلة عويصة ينبغي حلها، عبر إيجاد عقوبات بديلة تجنب اللجوء إلى هذا الاعتقال”، مشددا على أن وزارته” لا يمكنها اقناع النيابة العامة بعدم اللجوء إلى تدبير الاعتقال الاحتياطي”، وذلك في إشارة منه إلى ما يردده على الدوام رئيس مؤسسة النيابة العامة، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بكون الاعتقال الاحتياطي، كدبير استثنائي، لا يتم إلا بعد توفر المبررات القانونية المحددة في المواد 47 و 73 و 74 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تتمثل في حالة التلبس، وخطورة الفعل الجرمي، وانعدام ضمانات الحضور، وتوفر دلائل قوية على ارتكاب المشتبه فيه للجريمة.
وأوضح وزير العدل، بأن”مصالح وزارته المعنية بموضوع الحد من مشكلة الاعتقال الاحتياطي، أنجزت تقريرا حول آلية السوار الإلكتروني، وهيأت النص القانوني، لكن خلافا وقع بهذا الشأن مع الأمانة العامة للحكومة التي اعتبرت أن مثل هذا الإجراء يجب أن يأتي في مجموعة القانون الجنائي، بينما ترى الوزارة أنه يجب أن يكون في قانون مستقل”.
وكان الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، السيد الحسن الداكي، قد دأب خلال ترؤسه للندوات الجهوية التي نظمتها مؤسسته بدعم من الإتحاد الأوروبي، قد شدد خلالها بأن ترشيد الاعتقال الاحتياطي يعد من أولويات تنفيذ السياسة الجنائية التي تشرف عليها رئاسة النيابة العامة، و أن “تدبير الاعتقال الاحتياطي يعتبر من المواضيع التي تستأثر باهتمام بالغ من جانب هذه الرئاسة، بدليل العدد الهام من الدوريات التي وجهت للنيابات العامة في هذا الشأن”.
وأشار الداكي في ندوة أكادير التي نظمت في فبراير 2021، أنه “رغم المكانة التي حظي بها موضوع الاعتقال الاحتياطي ضمن أولويات السياسة الجنائية، والجهود المبذولة في هذا الإطار، لا زالت نسبه يطبعها الارتفاع، حيث بلغ معدل الاعتقال الاحتياطي 44,56 في المائة في نهاية شهر أكتوبر 2021، علما أن هذه النسبة بلغت في نهاية شهر شتنبر 45,25 في المائة”.
وتابع أنه “إذا كانت جهود رئاسة النيابة العامة في البداية أثمرت نتائج طيبة عكستها الأرقام المسجلة في معدلات الاعتقال الاحتياطي، حيث انخفضت إلى 36,31 في المائة في متم شهر مارس 2019، إلا أن الآثار السلبية التي أفرزها انتشار وباء (كوفيد- 19) على سير العدالة عموما، وعلى وتيرة البت في قضايا المعتقلين الاحتياطيين، على وجه الخصوص، انعكست بشكل ملحوظ على نتائج سنتي 2020 و2021، الأمر الذي يقتضي منا جميعا، قضاة الحكم والتحقيق والنيابة العامة، مضاعفة الجهود سواء عبر ترشيد اللجوء إلى الاعتقال عند تحريك المتابعات، أو من خلال الرفع من نجاعة الأداء عند البت في قضايا المعتقلين وإصدار الأحكام، والتسريع بإحالة ملفات المعتقلين الاحتياطيين المطعون فيها على المحكمة الأعلى درجة”.

















