في تطور جديد ومثير لملف الأستاذ الجامعي، القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العلي حامي الدين، والمتابع بجناية”المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد”في حق الطالب اليساري محمد آيت الجيد الملقب قيد حياته بنعيسى، وذلك على خلفية الأحداث الدامية التي عاشها الموقع الجامعي لظهر المهراز بفاس نهاية شهر فبراير 1993 في مواجهة دامية تفجرت حينها ما بين الطلبة الإسلاميين وطلبة فصائل القاعديي، أنهت غرفة الجنايات الاستئنافية بنفس المدينة هذا اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، الجولة الاستئنافية بإصدارها لحكمها القاضي بسقوط الدعوى العمومية.
وفي هذا السياق تضمن حكم المحكمة والذي فاجأ الجميع بالنظر إلى مضمونه، بالتصدي للحكم الابتدائي والغائه فيما قضى به، والصادر في 11 يوليوز2023، عن غرفة الجنايات الابتدائية لدى محكمة الاستئناف بفاس، حيث أدان حينها عبد العلي حامي الدين، بثلاث سنوات سجنا نافذا، عقب إعادة تكييف المتابعة التي أصدرها قاضي التحقيق محمد الطويلب بالغرفة الأولى من جناية “المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد”في حق الطالب اليساري محمد آيت الجيد، إلى جناية “الضرب والجرح المفضي للموت بدون نية إحداثه.
من جهة أخرى قضت غرفة الجنايات الاستئنافية بسقوط الدعوى العمومية بمبرر “سبقية البت” في الجناية التي توبع بها الأستاذ الجامعي، القيادي بحزب العدالة والتنمية، في قضية “مقتل الطالب اليساري محمد آيت الجيد(بنعيسى) خلال أحداث موقع ظهر المهراز بفاس في فبراير 1993 ، وهو ما قد يجعل من قرار هذه المحكمة مرجعيا أمام المحاكم المغربية بشأن عدم جواز محاكمة الشخص مرتين في فعل جرمي قد يكون اقترفه، خصوا أن هيئة الجنايات الاستئنافية لم تحكم بالبراءة لحامي الدين، بل قالت بسقوط الدعوى العمومية لسبقية البت، مما يؤشر على اقتناع الهيئة المصدرة لهذا الحكم، بالقاعدة العامة ذات الصلة، والتي لا تجيز متابعة أي شخص، أو توجيه الاتهام إليه، أو محاكمته، أو معاقبته مرة ثانية عن نفس الوقائع والأفعال، حتى لو تم تغيير التكييف القانوني أو الوصف للجريمة،
وبهذا تكون جنايات فاس الاستئنافية قد أسست لمبدأ “عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن نفس الجريمة”، والتي تعرف أيضاً (بالخطر المزدوج – Double Jeopardy)، وهي قاعدة قانونية ودستورية أساسية تهدف إلى حماية الأفراد من تعسف السلطات أو الأغيار، وضمان الاستقرار القضائي والأمن القانوني للمغاربة.
وكان دفاع حامي الدين، قد شدد أعضاء فريق دفاعه في مرافعاتهم بجلسات الجولتين الأولى والثانية من المحاكمة، على مطالبتهم ببطلان المتابعة الصادرة عن قاضي التحقيق بناء على الشكاية المباشرة التي تقدمت بها عائلة آيت الجيد في 26 يوليوز2017 بحجية سبقية البت في نفس الوقائع، حيث اعتبر الدفاع الواقعة الواردة على لسان الشاهد اليساري الخمار شفاه الله من مرضه شفاء لا يغادر سقما، بخصوص وضع حامي الدين لرجله على رأس او عنق آيت الجيد قبل اسقاط المعتدون الآخرون المشتبه فيهم للطوار على رأسه”، بأنها لم تعد تكتسي، بحسب دفاع المتهم، طابع وقائع جديدة بمفهومها الواقعي والقانوني، وحجتهم على ذلك قرار غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس بتاريخ 16 شتنبر2019، والذي بنى عناصره على تقرير التشريح الطبي الذي أقر بوجود ثقب على وجه الضحية، مما استبعد وجود ظرف السلاح أمام خلو محضر الضابطة القضائية ليوم 25 فبراير1993، حيث لم تحجز عناصر الشرطة خلال معاينتها لمسرح الجريمة، وفق كلام دفاع حامي الدين، على أداة الجريمة المحددة في الطوار المزعوم والسلاسل و الأسلحة البيضاء.
من جهة أخرى التمس دفاع حامي الدين، احتياطيا التصريح بسقوط الدعوى العمومية، والحكم ببراءة حامي الدين من تهمة جناية”المساهمة في القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد”في حق الطالب اليساري محمد آيت الجيد الملقب قيد حياته ببنعيسى، فيما ذهبت هيئة المحكمة بعيدا بحكمها بسقوط الدعوى العمومية لسبقية البت، مع التصدي للحكم الابتدائي وإلغاء ما قضى به في حق المتهم.
النيابة العامة ومحامو عائلة “آيت الجيد” طالبوا برأس حامي الدين :
في مقابل طلب دفاع حامي الدين بسقوط الدعوى العمومية والحكم ببرائته لسبقية البت في نفس الوقائع وإدانته من أجلها، دافع محامو عائلة “ىيت الجيد” ومعهم النيابة العامة خلال جميع أطوار جلسات المحاكمة ابتدائيا واستئنافيا عن قرار المتابعة الصادر عن قاضي التحقيق، محمد الطويلب، والذي تسبب قراره نهاية سنة 2018 في ضجة كبيرة داخل المغرب وخارجه، حيث رد حينها ممثل النيابة العامة عبد العزيز البقالي خلال سريان الملف أمام غرفة الجنايات الابتدائية، على مطالبة دفاع القيادي “بالبيجدي”، ببطلان المتابعة وسقوط الدعوى العمومية، بقوله أن القضاء وعبره النيابة العامة، تحرص على خلق التوازن وحماية حقوق ومصالح جميع الأطراف، ودليله شروط المحاكمة العادلة التي وفرتها المحكمة لحامي الدين ودفاعه، بموازاة نفس الحقوق التي تمتع بها الطرف المدني من عائلة آيت الجيد ومحامييها.
وأضاف الوكيل العام معقبا على مرافعات دفاع حامي الدين، في مقابل تشبثكم بحق المتهم، المتعلق بعدم جواز تعريضه للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها بحكم نهائي وفقا للقانون المغربي ودستوره الجديد، و في مقابل تمسككم بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته الـ14، فإن نفس القوانين والحقوق، يقول الوكيل العام في مرافعته، تؤكد في المقابل على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، لذلك جاءت المتابعة الجديدة لحامي الدين، بعدما ظهرت بحسب ممثل النيابة العامة، وقائع جديدة اقتنع بها قاضي التحقيق خلال استماعه لتصريحات الشاهد الخمار قبل ان يتخذ قراره بالمتابعة والإحالة على المحاكمة.
الواقعة الجديدة التي حملتها تصريحات الشاهد الخمار، اعتبرها ممثل النيابة العامة، بأنها تعد أدلة جديدة عجلت، كما قال، استنادا لمقتضيات المادتين 229 و 230من قانون المسطرة الجنائية، بإعادة فتح التحقيق في قضية آيت الجيد، وذلك في إشارة من ممثل النيابة العامة، لما صرح به الشاهد الخمار الحديوي، لقاضي التحقيق، بخصوص واقعة تحدثت عن وضع حامي الدين رجله على عنق آيت الجيد، لتثبيته على الرصيف، قبل أن يقوم عمر محب القابع بالسجن، معية المتهمين المدانين مؤخرا، توفيق الكادي و كريول عبد الواحد، برمي حجر كبير على رأس آيت الجيد والتسبب في وفاته، وهي واقعة مادية بنى عليها قاضي التحقيق متابعته، ودافع عنها ممثل النيابة لتبرير إعادة محاكمة حامي الدين في نفس القضية التي توبع وادين من اجلها في ملف 1994/1993 .
واستحضر حينها ممثل النيابة العامة، عبد العزيزالبقالي، واقعة نظر فيها القضاء الفرنسي، والتي وأدين فيها شاب جزائري يحمل الجنسية الفرنسية، بعدما توبع بتهمة”المشاركة في تكوين عصابة إجرامية”، إلا أنه و بعد الادانة ظهرت معطيات جديدة، وأعيدت محاكمة الشاب الجزائري- الفرنسي في نفس الوقائع وبتهمة جديدة وهي جناية “المشاركة في أحداث إرهابية هزت فرنسا”، وبهذا يكون المشرع الفرنسي، قد حسم، كما قال الوكيل العام، هذا التباين الحاصل في مبدأ منع مساءلة الشخص عن نفس الوقائع التي توبع وأدين من أجلها، مؤكدا أن القضاء الفرنسي المقارن، لم يأخذ بهذا المبدأ الكوني المنصوص عليه في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته الـ14، (لم يأخذه) على وجه التطبيق المطلق له، بل وضع له قواعد تعكس السلطة التقديرية للقاضي، بحسب تعبير ممثل النيابة العامة، عبد العزيز البقالي خلال مرحلة المحاكمة ابتدائيا.


















