حملت الجولة الاستئنافية والأخيرة بغرفة جرائم الأموال بفاس وهي تنظر في ملف”الفضائح المالية والإدارية”والتي هزت قبل عطلة صيف 2024 أعلى سلطة إدارية بجهة فاس- مكناس، وذلك عقب خروج قضية رئيس مصلحة الميزانية والصفقات إلى العلن على عهد الوالي السابق سعيد ازنيبر، بناء على شكاية تقدم بها في مواجهته الوكيل العام للملك وشركة لممون الحفلات صاحب مطعم مشهور بمدينة فاس، اتهمه فيها المشتكي “بالتلاعب”في مستحقات مالية لصفقات عمومية همت إطعام شركته للقوات العمومية خلال مرحلة جائحة كورونا، (حملت هذه الجولة) نفس الأحكام المثيرة وغير المنتظرة والتي سبق لمحكمة الدرجة الأولى لجرائم الأموال العامة إصدارها نهاية شهر ماي من السنة الجارية.
وفي هذا السياق قضت أحكام غرفة جرائم الأموال العامة الاستئنافية بتأييد العقوبات الصادرة عن زميلتها الابتدائية، والتي سبق لها توزيع أزيد من 10 سنوات سجنا نافذة على المتهمين في هذا الملف، ويتعلق الأمر بالمتهم الرئيس، عبد العزيز جاسور والذي ظل منذ سنة 2015 يرأس مصلحة الصفقات والميزانية في ولاية جهة فاس حتى سقوطه في يد القضاء صيف 2024، حيث أيدت غرفة جرائم الأموال الاستئنافية العقوبة الصادرة في حقه والمحددة في 5 سنوات سجنا نافذة، وغرامة قدرها 10 ملايين سنتيما، وذلك على خلفية مُآخذته من أجل تهم جنائية ثقيلة، تخص “تبديد واختلاس أموال عامة” و”إقصاء متنافسين” و”استغلال النفوذ”؛ فيما حصل المتهم الثاني على عقوبة سجنية مدتها 4 سنوات مصحوبة بغرامة قيمتها 5 ملايين سنتيما، وهو مقاول واجه تهمة المشاركة في تبديد و اختلاس أموال عامة، وذلك على خلفية عقود صفقات وهمية متعلقة بخدمات الاطعام خاضعة للقانون العام، زيادة عن فواتير وهمية للإطعام والشوكلاطة جرى اختلاسها عبر مراحل.
أما المتهم الثالث، وهو مقاول من مدينة كرسيف، فقد أدين بـ18 شهرا نافذة مع 3 ملايين سنتيما غرامة، لتورطه في نفس التهم المتعلقة بالصفقات الوهمية التي كان يدبرها رئيس مصلحة الصفقات والميزانية في ولاية جهة فاس.
من جهة أخرى كان لافتا، حصول بقية المتهمين وعددهم ثلاثة، على البراءة، ويتعلق الأمر بشقيقة المتهم الرئيسي الثاني المدان بأربعة سنوات نافذة، وكذا نجل جاسور الرئيس السابق لمصلحة الصفقات والميزانية بولاية جهة فاس وشريكه المقاول الشاب المتحدر من مدينة بولمان.
المحكمة تدين جاسور بتهمة “التزوير” بُرِئَ منها ابتدائيا :
الجديد الذي حملته الأحكام الاستئنافية الصادرة عن غرفة جرائم الأموال العامة بفاس، هو لجوؤها إلى إعادة تكييف التهم التي توبع بها ابتدائيا الرئيس السابق لمصلحة الصفقات والميزاية بولاية جهة فاس، حيث قضت نفس الغرفة بمآخذة من أجل تهمة “التزوير”والتي جرت تبرئته منها ابتدائيا لكن محكمة الدرجة الثانية اقتنعت بتورطه في هذه الجريمة، غير أن ذلك لم يسفر عن رفع عقوبته التي حافظت على صيغتها الصادرة عن المرحلة الابتدائية والمحددة في 5 سنوات سجنا نافذة.
كاشف الفضائح المالية لرئيس مصلحة الميزانية يخرج خاوي الوفاض
بموازاة مع الأحكام الجنائية والجنحية التي انتظرها المتتبعون خلال الجولة الاستئنافية، والتي اعتبرت “مخففة” وذلك بالنظر إلى حجم الأموال العامة التي جرى”لهفها”من قبل رئيس مصلحة الصفقات والميزانية المعتقل بمعية شركاء له من المقاولين عن طريق التزوير والتحايل وضياع حقوق ممولين لمصالح جهة فاس، أيدت نفس المحكمة، قرارات زميلتها الابتدائية في الدعوى المدنية التابعة، حيث قضت بعدم الاختصاص في الطلبات المدنية المقدمة من قبل كاشف الفضائح المالية لرئيس مصلحة الميزانية عبد العزيز جاسور، وذلك على الرغم من كون شركته المتخصصة في تموين الحفلات وصاحبة مطعم مشهور بمدينة فاس، كان وراء فضح عمليات “تبديد واختلاس أموال عامة” لم ترصدها مصالح الولاية أو مفتشية وزارة الداخلية.
وسبق لصاحب نفس الشركة بأن التمس كمطالب بالحق المدني، بتعويض حدده في 1 مليار و800 مليون سنتيما، باعتباره كلفة مجموع صفقات إطعام القوات العمومية خلال مرحلة جائحة كورونا، وهي المبالغ التي تورط رئيس مصلحة الميزانية والصفقات بولاية جهة فاس، وفق شكاية المطالب بالحق المدني محمد العلمي بتفويتها عن طريق التحايل لشريكه المقاول في “لهف” المال العام والمدان بأربعة سنوات سجنا نافذة، فيما لم يحصل كاشف هذه الفضائح المالية بأهم مصلحة مالية بالجهة، ولو على فلس واحد من الأموال التي طالب بها ضمن مستحقاته من صفقات إطعام القوات العمومية من رجال الشرطة والقوات المساعدة والدرك الملكي خلال جائحة كورونا.
الداخلية تسترجع المسروق وتحصل على التعويض بخلاف المقاولات ضحايا رئيس ميزانيتها
حافظت غرفة جرائم الأموال الاستئنافية بفاس عن انتصار زميلتها الابتدائية للطلبات المدنية التي تقدم بها رئيس الحكومة ممثلا للدولة المغربية معية وزير الداخلية ووالي جهة فاس،عامل عمالتها، في مواجهة رئيس مصلحة الميزانية والصفقات بنفس الجهة، عبد العزيز جاسور وبقية المتهمين معه وهم مقاولون و أصحاب شركات، حيث أيدت نفس المحكمة التعويضات المحكوم بها لفائدة وزارة الداخلية ومن معها، بإرجاع المتهمين المدانين للمبلغ المسروق والمبدد من ميزانية ولاية الجهة، والذي حددته المحكمة في 670 مليون سنتيما، مع تعويض قدرته بـ60 مليون سنتيما تضامنا فيما بين المتهمين المدانين.
وكانت مذكرة الأطراف المدنية والتي تقدم بها المحامي عبد العزيز بلمعطي شرقاوي، قد تضمنت الحكم على المتهمين الستة، بإرجاع مبلغ 4.923.886 درهما والتي كانت موضوع تبديد و اختلاس أموال عامة، وذلك على خلفية ثمانية(8) عقود صفقات وهمية متعلقة بخدمات الاطعام خاضعة للقانون العام، زيادة عن مبلغ 1.779.808 درهما، قيمة تسع(9) فواتير وهمية للإطعام والشوكلاطة تم اختلاسها عبر مراحل، مما رفع المبلغ”المسروق”المطالب بإرجاعه إلى 6.703.694 درهما، مع أداء تعويض تضامنا فيما بين المتهمين.
والي فاس الأسبق زنيبر يخرج كالشعرة من العجين :
المثير في الأبحاث التي أجراها المحققون والمتضمنة في محاضرها الرسمية زيادة عن الإشارات الواردة في مذكرة المطالب المدنية التي تقدم بها للمحكمة محامي الأطراف المدنية ممثلة في رئيس الحكومة نيابة عن الدولة المغربية معية وزير الداخلية ووالي جهة فاس،عامل عمالتها، هو أن هذه الوثائق تضمنت إقرارا مفاده أن”عبد العزيز جاسور قام بالتلاعب رفي العقود الخاضعة للقانون العام والسندات عن طريق تضمين خدمات وهمية لفائدة ولاية جهة فاس- مكناس، حيث واجه رئيس مصلحة الصفقات والميزانية المعتقل، الصعاب في الإجابة عن المنسوب إليه من اختلاس وتبديد للمال العام.
وكشف ذات الوثائق على أن رئيس مصلحة الميزانية والصفقات القابع في السجن، صرح للمحققين بأنه كان ينفذ تعليمات الوالي السابق سعيد ازنيبر، والذي كان يأمره بضرورة معاينة المأكولات قبل عرضها على الضيوف أغلبها كانت موضوع صفقات إطعام وهمية، وذلك في إشارة إلى الشركات التي كانت تزود مصالح الولاية بطاولات مملوءة بالمأكولات ممولة من مالية الدولة.
غير أن الإشارة التي تضمنتها أبحاث المحققين ومذكرة الطلبات المدنية لوزارة الداخلية و الحكومة وولاية جهة فاس، بخصوص الأوامر والتعليمات التي كان يتلقاها رئيس مصلحة الميزانية من الوالي السابق سعيد ازنيبر ، جرى المرور عليها بحسب المتتبعين مرور الكرام، بدون أي مساءلة من قبل السلطات القضائية و الإدارية للوالي والذي ظل الرئيس المباشر و الآمر بالصرف على مصلحة الصفقات و الميزانية، والتي شغل منصب رئاستها عبد العزيز جاسور منذ 2015، كما أنه كان يتولى بتكليف من نفس الوالي، إعداد الميزانية العامة لجهة فاس ومجلس عمالتها، زيادة عن تكليفه من قبل ازنيبر بالإشراف على توريد وإطعام مجموعة من النشاطات التي تنظمها الجهة والعمالة وكذا مأدوبات احتضنها مقر إقامة الوالي لفائدة ضيوفه، وكذا إطعام عناصر الأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المساعدة وعناصر الوقاية المدنية عن طريق التعاقد مع مجموعة من الشركات في إطار العقود الخاضعة للقانون العام، مما مكن المشرفون على هذه العمليات من تحقيق مصالح مالية كبيرة أحدثت ثقوبا في الميزانية العامة لجهة فاس وعمالتها عبر صفقات وسندات للطلب وهمية.


















