وسط عمليات شد الحبل الناشطة منذ أسابيع ما بين حكومة أخنوش ووزيرها في العدل والحريات عبد اللطيف وهبي، من جهة، والمحامون المغاربة وهيئاتهم التمثيلية من جهة أخرى، بسبب قانون الولوج لمهنة المحامين، والذي أثار غضب أصحاب البذلة السوداء بسبب هرولة الحكومة إلى تمريره في مجلسها الحكومي وسعيها لإحالته ضمن نفس السرعة على مسطرة التشريع والمصادقة عليه في البرلمان، كانت جمعية هيئات المحامين قد وجدت نفسها في “قفص الاتهام”، حيث وضعها فيه أبناء جلدتها بعلة تأخر جمعيتهم عن التعاطي بالقوة والسرعة اللازمتين مع طريقة تعامل الحكومة مع مشروع قانون مهنة المحاماة و”تهريبه”من أي مناقشة لبنوده عبر إشراك المعنيين به.
وفي غضون ذلك توزعت مواقف المحامين ما بين منتقدين للجمعية خصوصا بعد الخروج المبكر لعدد من هيئات المحامين تتقدمهم هيئة الدار البيضاء، للتعبير عن انزعاج المحامين ورفضهم لمشروع القانون المنظم لولوج مهنتهم، فيما اختار البعض الآخر الانتصار لموقف الجمعية المتريث، بعدما اختارت توقيت تحركها وخروجها عن صمتها، معلنة عن خطوات احتجاجية آخذة في التصعيد، مما أحرج الوزارة وتسبب في شل المحاكم، وهو ما اعتبره المتتبعون منعطفا أنهى علاقات”الود”وأجواء الدفء التي لم تصمد طويلا ما بين الجمعية ووزير العدل، غير أن الأشكال الإحتجاجية والنضالية التي تنتجها الجمعية سرعان ما تحولت إلى مصدر خلافات قوية داخل قطاع المحاماة.
وفي هذا الإطار نسوق رأي محامية من هيئة الدار البيضاء، فاطمة الزهراء الابراهيمي، والتي اختارت مخاطبة زميلاتها وزملائها عبر أقطاب الصحافة المكتوبة والإلكترونية، وهي تدافع عن النقاش الدائر داخل مهنة المحاماة، طرفاه جمعية هيئات المحامين بالمغرب وباقي مكونات التمثيلات المهنية المحلية والشبابية، قبل أن يشتعل هذا التدافع المهني عبر الرسالة التي وجهها النقيبان السابقان لهيئة المحامين بالدار البيضاء، عبد الله درميش ومحمد الشهبي، إلى رئيس الجمعية، وهما يعلنان عن اعتراضهما على إضراب المحامين احتجاجًا على مشروع قانون المهنة، معتبرين الإضراب “مخالفاً للقانون وغير أخلاقي”، مما أثار جدلاً واسعاً وانقساماً بين المحامين حول شرعية الإضراب وموقف النقيبين، حيث رفضه البعض واعتبره خروجاً عن الموقف الموحد للجمعية.
من جهتها اختارت المحامية الدلو بدلوها في هذا النقاش، عبر رسالة اختارت لها عنوان”الفرق بين الاختلاف المهني والشقاق المفتعل”، وفيما يلي تجدون نص الرسالة المفتوحة من المحامية، فاطمة الزهراء الابراهيمي، والموجهة إلى زملاء الداخل ومتابعي شؤون المحاماة من خارجها :
((أثار المقال المتداول بشأن رسالة النقيبين السابقين وما رافقها من تفاعلات، قراءةً تبسيطية ومُضلِّلة لطبيعة النقاش داخل الجسم المهني للمحامين، وحاول عن قصد أو عن غير قصد تصوير الاختلاف في الرأي وكأنه انقسام أو تصدّع أو تهديد لوحدة الصف، في حين أن الحقيقة القانونية والمهنية أبعد ما تكون عن هذا الاختزال المخل.
فالمحاماة، بطبيعتها التاريخية والوظيفية، مهنةُ جدلٍ ونقاشٍ وإقناع، تقوم على اختلاف التأويل، وتعدد المقاربات، وحرية التعبير المسؤول، وهي القيم نفسها التي يُفترض أن تُدار بها شؤونها الداخلية ومواقفها المؤسساتية. ولا يمكن لمهنة تُرافع يوميًا دفاعًا عن حرية الرأي والتعبير، أن تُصادِر هذا الحق داخل بيتها المهني، أو تعتبره خروجًا عن الصف أو مساسًا بالوحدة.
إن مخاطبة المحامين لمؤسساتهم المهنية، نقدًا أو مساءلةً أو اعتراضًا أو اقتراحًا، لا تُعدّ شقاقًا ولا انشقاقًا، بل هي ممارسة طبيعية لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجسيد فعلي للديمقراطية المهنية الداخلية التي تُغني القرار ولا تُضعفه، وتحصّن المؤسسات بدل أن تُربكها.
وإذا كان النقاش داخل الجسم المهني قد يبلغ أحيانًا درجة من الحدّة والاحتدام، فإن ذلك لا يعكس صراعًا أو تصدّعًا، وإنما يعكس حيوية مهنة لا تعرف الصمت ولا القبول السلبي، ولا تستكين للأمر الواقع، وهي حدّة لا يدرك دلالاتها إلا من خبر منطق المرافعة، وثقافة الحجاج، وأخلاقيات الاختلاف داخل فضاء المحاماة.
فالاختلاف في تقدير الوسائل، أو في ترتيب الأولويات، أو في قراءة المآلات، لا يمس إطلاقًا وحدة الهدف ولا الإجماع حول جوهر الدفاع عن المهنة واستقلالها وكرامتها. إننا نتحاور، نتجادل، نُناقش، نُصوّب، نلوم، نستنكر، نرفض ونقترح، وقد ترتفع نبرة الخطاب، لكننا في النهاية نصطف صفًا واحدًا حين يتعلق الأمر بالمبادئ الكبرى وبمستقبل المهنة.
أما تصوير هذا النقاش الطبيعي باعتباره انقسامًا أو تهديدًا للانسجام، فهو تبسيط مُخلّ، يُسيء فهم طبيعة المهنة، ويُحوِّل الاختلاف الصحي إلى أزمة مفتعلة، ويُفرغ النقاش من وظيفته الإصلاحية والرقابية.
وإذا كانت المؤسسات المهنية مدعوة إلى الالتفاف والوحدة في اللحظات المفصلية، فإن هذه الوحدة لا تُبنى على الصمت ولا على إلغاء الرأي المخالف، وإنما تُبنى على النقاش الحر، والشفافية، وتعدد الرؤى، واحترام حق التعبير داخل الضوابط المهنية والقانونية.
إن المحامين ليسوا كتلة صمّاء، ولا قطيعًا يُساق بالإجماع الشكلي، بل هم فاعلون قانونيون مستقلون، يجمعهم الانتماء لمهنة واحدة ورسالة واحدة، ويختلفون في أدوات الدفاع عنها دون أن يختلفوا حول جوهرها.
ومن ثمّ، فإن أي قراءة تُحوّل النقاش المهني المشروع إلى شقاق أو انقسام، تُجافي الحقيقة، وتختزل مهنة بأكملها في منطق الاصطفاف الصامت، وهو منطق لا ينسجم لا مع روح الدستور، ولا مع تقاليد المحاماة، ولا مع رسالتها التاريخية في الدفاع عن الحرية والحق والاختلاف المسؤول، نحن نختلف ونحتدّ، نعم، كما أننا نناقش ونتجادل ونعارض ونضغط أيضا، لكننا لا نخرج عن الصف، ولا نكسر الإجماع حين يتعلق الأمر بجوهر المهنة ومصيرها.)).
وختمت محامية هيئة الدار البيضاء، رسالتها بقولها :” نحن جيشٌ واحد في المعركة الكبرى، وإن اختلفت زوايا الرؤية وتنوّعت أدوات الاشتغال، والفرق شاسع بين الاختلاف الذي يُقوّي المؤسسات، والانقسام الذي يهدمها”.
يذكر أن المحامية فاطمة الزهراء الإبراهيمي بهيئة الدار البيضاء، وجهت مؤخرا انتقادات حادة لدعوة التوقف الشامل عن العمل والتي أطلقتها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، واصفة إياها بـ”القرارات الهزيلة”، ردًا على مشروع قانون مهنة المحاماة، مؤكدة أن المحاماة فن وقانون وليست مجرد مصلحة مهنية، وأن دور المحامي يتجاوز مجرد المعرفة القانونية، حيث يدافع عن الحقوق والحريات، ويسعى لخدمة العدالة والمجتمع، مستنكرة قرارات الجمعية والتي اعتبرتها تفصيلاً عن اللحظة التاريخية التي تمر بها المهنة.


















