يتوفر المغرب على منظومة متكاملة للحوار الاجتماعي متوافق عليها تطلب بناؤها فترة طويلة ومجهودات كبيرة، وانطلاقا من طبيعة التحديات المطلوب مواجهتها على كافة المستويات وفي أفق الانتخابات القادمة لسنة 2026 يستوجب الترجمة الفعلية لما نص عليه اتفاق وميثاق 30 أبريل 2022 لأن مقياس المصداقية مرتبط بمدى وفاء كل طرف من الأطراف الثلاث بالتزاماته، وهو ما يخدم القضية الوطنية ويقوي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومن الممكن تحقيق ذلك إذا توفرت الإرادة القوية لدى الحكومة لكونها قادرة على إقناع المشغلين بما يمكن القيام به من خطوات ولكون المركزيات النقابية تعرف جيدا أن مصلحة الطبقة العاملة في إيجاد حلول متوازنة خاصة وأن جل القضايا المطروحة على مائدة الحوار لا تتطلب تكاليف مالية علما بأن طبيعة المرحلة الحالية لا تقبل المزيد من الانتظار وتحقيق هذا الإنجاز سيعطي دفعة قوية إلى الأمام وسأتناول هذا الموضوع من خلال ثلاث محاور كما يلي :
المحور الأول – منهجية الحوار الاجتماعي :
لا بد من التأكيد على أن نجاح الحوار الاجتماعي يستوجب بالضرورة اعتماد منهجية تشاركية، إذ لا يمكن بناء الثقة وضمان الشفافية والوصول إلى الاقتناع المتبادل بين الأطراف إلا عن طريق التدبير المشترك من خلال الحضور الفعلي والمباشر في جلسات للحوار للأطراف الثلاث في آن واحد، ومن أجل نجاح الحوار الاجتماعي لا بد من تطبيق هذه المنهجية بشكل دقيق لكون الحوار الاجتماعي في المغرب يسير وفق سلسلة متكاملة ومترابطة فيما بينها، مما يتطلب إيجاد الحلول للقضايا المطروحة وفق برنامج متكامل وإعطاء كل موضوع الأهمية التي يستحقها على أن يتم العمل وفق ما يلي :
v تفعيل اللجنة العليا للحوار الاجتماعي المتكونة من رئيس الحكومة والأمناء العامين للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب ورئيس الكنفيدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية، لتقوم بتحديد جدول الأعمال الدورات والمتابعة والإشراف والتوجيه لما لذلك من أهمية في توضيح مسؤولية كل طرف من الأطراف.
v تفعيل الحوار الثلاثي الأطراف والمتكون من رئيس الحكومة والوزراء ذوي العلاقة والمكاتب التنفيذية للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب و الكنفيدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية وفق تصور شمولي على كافة المستويات للحسم في القضايا المطروحة، مع احترام أوقات الدورات والإعلان عما تم الاتفاق عليه في بلاغ مشترك عند نهاية كل دورة.
v تفعيل الحوار بالقطاع العام ليشمل جميع قطاعات الوظيفة العمومية والذي لم يتم لحد الآن في جل القطاعات رغم أهمية ما يقوم به هذا القطاع من دور كبير لصالح المجتمع.
v تفعيل الحوار الثلاثي على مستوى الجهات والأقاليم ليشمل جميع الجهات والأقاليم وهو ما لم يتم لحد الآن رغم أهميته من الناحية الاقتصادية والمهنية والاجتماعية وتقوية تنظيم الحياة العامة.
v تفعيل الحوار الاجتماعي على مستوى القطاعات المهنية لما لذلك من أهمية في تقوية النسيج المقاولاتي وتقوية دور اتفاقيات الشغل الجماعية لمواجهة تحديات المنافسة وتقوية تنظيم العلاقات المهنية.
v تفعيل التقييم السنوي :
يمكن للتقييم السنوي الذي يتم عند نهاية شهر مارس من كل سنة أن يلعب دورا كبيرا من أجل الوقوف على ما تم إنجازه من خطوات في كافة مجالات الحوار الاجتماعي وتحديد الآفاق المستقبلية وستكون له أهمية خاصة لتزامنه مع نهاية عمر الحكومية الحالية .
على أن تتم هذه الجولات بشكل متزامن وفي أوقات متقاربة.
v تفعيل اللجان الموضوعاتية الثلاثية للاشتغال بين دورتي أبريل وشتنبر لوضع الاقتراحات حول مجمل القضايا المطروحة على مائدة الحوار الاجتماعي، إذ لايمكن نجاح الحوار الاجتماعي إذا لم يتم الإعداد لدوراته بشكل جيد، وكان من الممكن لو تم اعتماد هذه المنهجية خلال الفترة الممتدة منذ إبرام اتفاق وميثاق 30 أبريل 2022 إلى الآن أن يتم إيجاد الحلول لجميع القضايا المطروحة غير أن ذلك لم يحصل وهو ما كانت له انعكاسات سلبية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالإضافة إلى هدر عامل الزمان، وهو ما يتطلب تداركه خلال المرحلة الممتدة من شتنبر 2025 إلى أبريل 2026 وهو ما يستوجب العمل على إيجاد الحلول للقضايا المطروحة وفق ما يلي :
1- تقوية وتعميم الحماية الاجتماعية على الأجراء من خلال :
– المتابعة المستمرة لجميع مؤسسات الحماية الاجتماعية واتخاذ ما يمكن القيام به من إجراءات وتدابير كلما تطلب الأمر ذلك، نظرا لما تقوم به هذه المؤسسات من دور كبير من الناحية الاجتماعية ولضمان سيرها بشكل جيد.
– تعميم التصريحات بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على جميع الأجراء وسلامة التصريحات من العيوب باعتماد حقيقة الأجور المتوصل بها وأيام العمل المنجزة أمام ما يعرفه هذا المجال من انتهاكات خطيرة ومهولة علما أن تعميم التصريحات يساعد على تمديد الحماية الاجتماعية على المهنيين غير الأجراء وتعميمها على جميع الفئات الأخرى.
2- إصلاح صناديق التقاعد من خلال :
– تطبيق قانون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
– استثمار أموال صناديق التقاعد لصالح الطبقة العاملة
– الرفع من مساهمات الدولة إلى ثلثين
– الزيادة في معاشات المتقاعدين لتتلائم مع الأسعار
– الرفع من سن التقاعد عن طريق الاختيار
3- ملائمة الأجور والأسعار من خلال :
– الزيادة في الأجور كلما تطلب الأمر ذلك
– تقوية دور الحماية الاجتماعية وتطبيق قانون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
– إصلاح صناديق التقاعد
كما أشرنا إلى ذلك فإن هذه المواضيع الثلاث : تقوية وتعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح صناديق التقاعد وملائمة الأسعار والأجور تتكامل فيما بينها.
4- إصلاح نظام الوظيفة العمومية من خلال :
– مراجعة نظام الوظيفة العمومية
– إصلاح وإحداث أنظمة قطاعات الوظيفة العمومية
– إيجاد الحلول لوضعية مختلف الفئات
5- تطبيق وتعديل مدونة الشغل من خلال :
– تقوية دور المجالس الاستشارية الثلاثية المنصوص عليها في مدونة الشغل.
– وضع برنامج لتطبيق مقتضيات مدونة الشغل.
– وضع مذكرات ودلائل تنظيمية وتوضيحية للقضايا التي تتطلب ذلك مثل :
– وضعية الأجراء العاملين بالقطاع العام والذين لا يسري عليهم أي قانون
– وضعية المرأة الأجيرة
– وضعية عمال المقاهي والمطاعم
– وضعية قطاع النقل
– تفعيل المادة 511 بالتصريح بكل عملية تشغيل عند حدوثها
– تقوية جهاز تفتيش الشغل.
– تعديل المواد التي يتطلب تعديلها عن طريق التوافق.
6- حماية الحريات النقابية وتعديل قانون النقابات المهنية :
– إزالة كل أشكال التضييق على ممارسة الحق النقابي
– تعديل قانون النقابات المهنية
7- حماية ممارسة حق الإضراب من خلال :
– حماية ممارسة الحق النقابي.
– تطبيق مقتضيات مدونة الشغل.
– الحرص على تنظيم الحوار بجميع القطاعات العمومية والخاصة.
– تنظيم ندوة علمية بمشاركة الأطراف الثلاث بمساهمة الخبراء والمختصين في القانون الاجتماعي لتدارس ما يمكن القيام به من خطوات عملية لتطبيق قانون الإضراب رقم 97.15 أو تعديله والذي تم تمريره دون التوافق عليه.
– من خلال ما سبق تتضح العلاقة بين تطبيق مدونة الشغل وحماية ممارسة الحق النقابي وتنظيم حق الإضراب.
8- مراجعة القوانين المنظمة للانتخابات المهنية :
– ملائمة القوانين المنظمة للانتخابات المهنية بين القطاع العام والخاص.
– مراجعة طريقة إجراء الانتخابات بالقطاع الخاص وبالأخص المؤسسات التي تشغل أقل من عشرة أجراء
– إزالة الاختلالات التي تعرفها الانتخابات المهنية والتي تكون لها نتائج سلبية لا تعكس حقيقة وقوة المركزيات النقابية مما يتطلب العمل على مراجعتها قبل الانتخابات القادمة.
9- استكمال هيكلة آليات الحوار الاجتماعي وفق ما نص عليه ميثاق الحوار الاجتماعي :
– إحداث المرصد الوطني للحوار الاجتماعي
– إحداث أكاديمية التكوين في مجال الشغل والتشغيل والمناخ الاجتماعي
10- تفعيل دور النقاش العلمي والفكري :
– تنظيم ندوات علمية حول مختلف القضايا المطروحة على مائدة الحوار الاجتماعي لما لذلك من أهمية في اقتراح الحلول.
حيث يلاحظ أن هذه الإمكانية لم يتم استثمارها على المستوى المطلوب وكان بالإمكان لو استثمرت أن تساهم بشكل كبير في إيجاد الحلول لمختلف القضايا المطروحة، خاصة وأن نسبة كبيرة من النقاشات التي تمت طيلة هذه المرحلة كان مجانبا للصواب ويركز على الجوانب الشكلية ويطغى عليه طابع العموميات ولم يساهم في إيجاد الحلول للقضايا المطروحة وهو ما يتطلب تداركه خلال المراحل المقبلة.
ومن خلال ما أشرنا إليه في المحور السابق يتضح أن المشكل الأساسي لا يعود فقط إلى نسبة الزيادة في الأجور ، بل يعود بالأساس إلى مدى احترام منهجية الحوار وإلى مدى شموليته لكل القطاعات والقضايا المطروحة على مائدة الحوار..(يتبع)















